الشيخ محمد رضا مهدوي كني

175

البداية في الأخلاق العملية

غير معلومين للمكلف . اذن ، لو تصور المرء الخبر الخاطئ مطابقا للواقع وتحدث به كخبر صحيح ، لا يعدّ هذا المرء كاذبا من الناحية الشرعية والقانونية ولا يؤاخذ كما يؤاخذ الكاذب ، وان كان الخبر في حقيقته ومن الناحية العلمية كاذبا . فمن مبطلات الصوم على سبيل المثال هو الكذب على اللّه والرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لكن لو نسب الصائم عن طريق الخطأ والسهو حكما إلى اللّه أو إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلا يعدّ صيامه باطلا لأنه لم يكذب عن عمد ، ولا يعدّ كاذبا . وهذا يعني انّ عنصر العلم مؤثر في فعلية التكليف ، رغم انّ الواقعية لا تتغير بعلم أو عدم علم الانسان . كما يحظى عنصر العلم بتأثير خاص في الانعكاسات النفسية والأخلاقية ، لأنّ الذي يؤلم النفس ويضطرها إلى النفاق والشقاق هو تعمد الكذب لا الخطأ والسهو . وربما يقصد الإمام الصادق عليه السّلام هذا المعنى بالذات خلال تعريفه للكذاب عند اجابته على عبد الرحمن بن الحجاج : « لا ، ما من أحد إلّا يكون ذاك منه ولكنّ المطبوع على الكذب » « 1 » . ومعنى عبارة الامام هذه هو انّ مجرد قول الكذب لا يجعل من الانسان كذّابا ، إذ لا يوجد انسان لا يصدر عنه كلام مخالف للواقع ، بل الكذاب هو الذي قد اعتاد على الكذب وجعل منه طريقة له وأسلوبا . بتعبير آخر : الكذاب هو الشخص الذي يكذب عن علم وعمد لا عن خطأ وزلل . وهكذا لا يعدّ الكذب غير العمدي معصية ، ولكن يجب ان لا يغيب عن الذهن بأنّ على الانسان الملتزم الابتعاد عن نقل الاخبار التي تحوم حولها الشكوك . وإذا كان ولا بد من نقل خبر مشكوك فيه ، فلا يجوز نقله على أنه خبر قاطع ويقيني ، بل لا بد من ابدائه في صيغة الاحتمال والتردد ، إذ مثلما يؤثر عنصر العلم في تنجّز التكليف وفعليته ، لديه إزاء الواقع طريقية وكاشفية أيضا ، بل تعود علة فعلية التكليف في ظرف العلم بالأساس إلى كاشفيته . وما لم يتحقق عنصر الكاشفية لا

--> ( 1 ) وسائل الشيعة ، ج 8 ، ص 573 ، الباب 138 ، ح 9 .